محمد حسين هيكل
141
حياة محمد ( ص )
الفصل العاشر هجرة الرسول الأمر بالهجرة - عليّ في فراش النبي - في غار ثور - الخروج إلى يثرب - قصة سراقة بن جعشم - مسلمو يثرب في انتظار الرسول - الإسلام بيثرب - دخول محمد المدينة . الأمر بالهجرة اتصل بمحمد نبأ ما بيتت قريش لقتله مخافة هجرته إلى المدينة واعتزازه بها ، وما قد يجر ذلك على مكة من أذى ، وعلى تجارتها مع الشام من بوار ، ولم يكن أحد يشك في أن محمدا سينتهز الفرصة فيهاجر . على أن ما أحاط به نفسه من كتمان لم يجعل لأحد إلى سره سبيلا ، حتى أبو بكر ، الذي أعد راحلتين منذ استأذن النبي في الهجرة فاستمهله ، قد بقي لا يعرف من الأمر إلا قليلا . ولقد ظل محمد بمكة حتى علم من أمر قريش ما علم ، وحتى لم يبق من المسلمين بها إلا القليل . وإنه لينتظر أمر ربه إذا أوحي إليه أن يهاجر . هنالك ذهب إلى بيت أبي بكر وأخبره بأن اللّه أذن له في الهجرة ؛ وطلب الصدّيق أن يصحبه في هجرته فأجابه إلى ما طلب . عليّ في فراش النبي هنا تبدأ قصة من أجلّ ما عرف تاريخ المغامرة في سبيل الحق والعقيدة والإيمان قوة وروعة . كان أبو بكر قد أعد راحلتيه ودفعهما إلى عبد اللّه بن أريقط يرعاهما لميعادهما . فلما اعتزم الرجلان مغادرة مكة لم يكن لديهما ظلّ من ريب في أن قريشا ستتبعهما . لذلك اعتزم محمد أن يسلك طرقا غير مألوفة ، وأن يخرج إلى سفره في موعد كذلك غير مألوف . وكان هؤلاء الشبان الذين أعدّت قريش لقتله يحاصرون داره في الليل مخافة أن يفر . ففي ليلة الهجرة أسرّ محمد إلى عليّ بن أبي طالب أن يتسجى برده الحضرميّ الأخضر وأن ينام في فراشه ، وأمره أن يتخلف بعده بمكة حتى يؤدّي عنه الودائع التي كانت عنده للناس . وجعل هؤلاء الفتية من قريش ينظرون من فرجة إلى مكان نوم النبيّ ، فيرون في الفراش رجلا فتطمئن نفوسهم إلى أنه لم يفرّ . فلما كان الثلث الأخير من الليل خرج محمد في غفلة منهم إلى دار أبي بكر وخرج الرّجلان من خوخة في ظهرها ، وانطلقا جنوبا إلى غار ثور ؛ فاتجاههما نحو اليمن لم يكن مما يرد بالبال . لم يعلم بمخبئهما في الغار غير عبد اللّه بن أبي بكر وأختيه عائشة وأسماء ومولاهم عامر بن فهيرة . أمّا عبد اللّه فكان يقضي نهاره بين قريش يستمع ما يأتمرون بمحمد ليقصّه ليلا على النبيّ وعلى أبيه . وأمّا عامر فكان يرعى غنم أبي بكر ، وكان إذا أمسى أراح عليهما فاحتلبا وذبحا . وإذا عاد عبد اللّه بن أبي بكر من عندهما